| من سفر المنفى: خالد سعيد... واللعنة على من طغى وتجبّر |
|
|
|
| الخميس, 17 يونيو 2010 12:31 |
|
د. سعد الدين إبراهيم بينما كان الوزير المصري المُقتدر مُفيد شهاب، يُمثل حكومة مصر في الاجتماعات الأخيرة للمجلس الدولي لحقوق الإنسان في جنيف، ويُحاول تبرئة ساحتها، وتبييض وجهها من كل سوء، كانت الأجهزة الأمنية لنفس الحكومة تُمارس أنشطتها المُعتادة في إرهاب مواطني مصر المحروسة، وكأنهم مُجرمين آثمين. تلقيت سيلاً من الرسائل الإلكترونية حول الشاب السكندري خالد سعيد، في نفس الأسبوع الذي ذهب فيه د. مُفيد شهاب إلى جنيف، وحول الانتهاكات الفردية والجماعية لحقوق الإنسان على أيدي حكومتهم الظالمة. وأخص بالذكر من هذه الرسائل ما ورد من: ـ الجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية ـ مركز هشام مُبارك للقانون. ـ مؤسسة حُرية الفكر والتعبير. ـ مركز حماية لدعم المُدافعين عن حقوق الإنسان. ـ المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. ـ مركز الحق للديمقراطية وحقوق الإنسان. ـ الاتحاد المصري لمنظمات حقوق الإنسان الشابّة. ـ المركز التكنولوجي لحقوق الإنسان. ـ المركز العربي ـ الأوروبي لحقوق الإنسان والقانون الدولي. ـ معهد القاهرة لحقوق الإنسان. ـ مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية. وكانت هذه الرسائل تدور في مُعظمها، حول حدثين مُهمين. أولهما، خاص بمقتل الشاب السكندري خالد سعيد، الذي يقول شهود عيان أنه تعرّض لضرب مُبرح في مكان عام، على أيدي مُخبرين، أمرهم ضابط شرطة بتأديبه، لمُجرد استفساره عن أي ذنب جناه، وهو يُمارس نشاطه المُعتاد في أحد مقاهي الإنترنت، حيث طلبوا منه مُغادرة المكان بصحبتهم، إلى قسم الشرطة، ولأنه مثل معظم المصريين يعتبر دخول قسم شرطة، هو أقرب إلى دخول مُخاطرة لا تُحمد عُقباها في أحسن الأحوال، وإلى دخول جهنم في أسوأ الأحوال ـ والثاني خاص بما تعرض له من حاولوا الاحتجاج. إن مُجرد مُسائلة مواطن لرجل أمني (يرتدي الزي الرسمي) يعتبره هذا الأخير "قلة أدب"، أو "صفاقة"، أو "عصيان". والسلوكيات الثلاثة مرفوضة من رجال الأمن المصريين، حيث أصبحوا يعتبرونها "تحدياً" لهيبتهم وسلطتهم. وكل رجل أمن في مصر الآن لا يعتد إلا بتعليمات وأوامر رئيسه فقط، وهم كمؤسسة يعتبرون أنفسهم فوق الجميع. ويبدو أن الشاب السكندري خالد سعيد، لم يكن يُدرك أن مصر أصبحت "دولة بوليسية"، أي أصبحت وطناً تحكمه الأجهزة الأمنية. وقبل خمسين سنة أصدر عالم الاجتماع المصري ـ الفرنسي أنور عبد الملك، مؤلفاً ذائع الصيت بعنوان "مصر مجتمع يحكمه العسكريون". فإذا كان الرجل حياً يُرزق، فليته هو أو أحد تلاميذه، يقوم بتوثيق وتحليل كيف انتقلت مصر من مجتمع يحكمه العسكريون إلى مجتمع يحكمه "المُخبرون." يقول أحد المُخضرمين من الضباط المُتقاعدين أن تنشئة ضابط القوات المُسلحة منذ بداية دراسته في الكلية الحربية هو الاعتزاز "بالشرف العسكري"، وقيم الشجاعة والشهامة والوطنية والصدق. أما تنشئة ضابط الشرطة فهي عكس ذلك تماماً، لأن القيمة الحاكمة بالنسبة له هي "السيطرة". وفي سبيل تحقيق هذه السيطرة على من يتعامل معهم من مواطنين ـ سواء كانوا أسوياء صالحين أو مشبوهين منحرفين ـ فهو استخدام كل الوسائل ـ من العنف البدني، والنفسي، والإهانات، والتعذيب والابتزاز. ويتعرض ضابط الشرطة لعملية غسيل مُخ من رؤسائه، جوهرها أن مثل تلك "السيطرة" على المواطنين ضرورة لحماية الأمن والنظام. ومع التلقين المستمر، تأتي المزايا المالية والرمزية ـ ابتداء من الزي الشرطي المُميز عن اللباس المدني، إلى المُرتب والبدلات، التي تضمن له دخلاً يوازي ثلاثة أمثال الخريج الجامعي. ومنذ دخوله كلية الشرطة يُقال له بواسطة مُدرّبيه ومُعلّميه أن يحرص دائماً على مُعاملة مُميزة لنفسه في كل المرافق الخدمية ـ من وسائل المواصلات إلى المستشفيات. هذا، إذا لم تكن مثل هذه الخدمات متوفرة له بالفعل من خلال الأندية والصناديق الخاصة بجهاز الشرطة نفسه. لذلك سرعان ما ينمو في عقل وقلب ضبّاط الأمن، أنهم أعلى من بقية فئات الشعب الأخرى. ومن هنا، حتى الشعار الوظيفي الذي استحدثته ثورة يوليو (1952)، وهو أن "الشرطة في خدمة الشعب"، استبدلوه في السنوات الأخيرة بشعار "الشرطة والشعب في خدمة الوطن"! وأغلب الظن أن لسان حال ضبّاط الأمن هو "أن الشعب في خدمة الشرطة"، أو ربما في نظر بعضهم أن "الشعب تحت حذاء الشرطة". وبهذه الخلفية التلقينية يمكن فهم الشعور المتوجس للمواطنين من مُجرد خاطر المرور أمام قسم شرطة، وشعور الجذع والخوف من دخول قسم شرطة، وشعور الرُعب في حالة القبض عليه أو التحقيق معه في قسم شرطة. ومن هنا كان هول مُمانعة، ثم مُسائلة خالد سعيد لرجال الأمن، الذين داهموا مقهى الإنترنت الذي كان يجلس فيه مع رفاقه من "المدنيين"، أو "الأفندية"، كما يحلو لضبّاط الشرطة أن يُطلقوا عليهم. ولأن رجال الأمن في مصر المحروسة لديهم هذه النظرة الاستعلائية نحو كل المواطنين، فإن مُجرد مُسائلة أحد "الأفندية" لهم يُعتبر "تحدياً"، أو "تمرداً"، أو "عصياناً". لذلك يستحق هذا "الأفندي" أن يتم تأديبه والسيطرة عليه في الحال. وهذا على ما يبدو، من أقوال شهود العيان، هو ما حدث في ذلك المقهى السكندري. إن ما حدث لخالد سعيد، يحدث مثله لمئات المصريين يومياً في أقسام الشرطة. وكثيراً ما يُفضى التعذيب فيها إلى الموت. وقد زاملت في نفس العنبر بسجن مزرعة طُره ثلاثة من ضبّاط الشرطة الذين أدينوا في حوادث تعذيب لمواطنين أثناء التحقيق أفضت إلى الموت. وكان سوء حظ هؤلاء الضبّاط أن وقائع تعذيب وموت ضحاياهم تسرّبت للإعلام، فتحولت إلى قضايا رأي عام. وأصبح مُتعذراً التستر عليها، كما يحدث عادة. ومرة أخرى، لم تتردد الأجهزة الأمنية، ومعها الإعلام الحكومي، في مُحاولة مُماثلة للتستر على وقائع مقتل خالد سعيد. فقد اتهمته، وهو الضحية، تارة بأنه هارب من "التجنيد"، وتارة أخرى، بأنه هارب من أحكام قضائية كانت قد صدرت ضده في قضايا مُخدرات، وتارة ثالثة بتعكير صفو الأمن، ومُقاومة السُلطات. وكأن أي من هذه الادعاءات يُبرر القسوة والوحشية التي تعرّض لها، وأدت إلى وفاته. لقد كانت صور القتيل خالد أبلغ وأصدق من ألف كلمة صدرت عن وزارة الداخلية. ولأن أجهزة هذه الوزارة الأخطبوطية قد فقدت الكثير من مصداقيتها من ناحية، ولأن الكيل طفح بالمصريين عموماً، وبالشباب منهم خصوصاً، فقد جاء مصرع خالد سعيد، وكأنه مصرع لهم جميعاً. فنفس الشيء يمكن أن يحدث لأي منهم في أي وقت، وفي أي مكان على أرض مصر المحروسة. لذلك كان ما حدث لخالد سعيد بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، والشرارة التي أوقدت نيران الغضب المكبوت، ضد نظام فاسد، يرفض الرحيل، بل ويُمعن في الكذب والاستكبار والطغيان. فلعنة الله على من كذب وطغى وتكبّر. آمين.
|