نشرة المجتمع المدنى
العدد
140اغسطس2006
الاقباط .من الزمة الى المواطنه
حمدى عبد العزيز
أن الإسلام يعلي الرابطة الدينية
على كل رابطة سواها فالمسلم أخو المسلم والمؤمنون أخوة.. ولكن ذلك
لا يعني أن يلقي المسلم بالعداوة الى غير المسلم لمجرد المخالفة في
الدين أو المغايرة في العقيدة لأن الأصل هو البر والقسط وهو الأساس
الذي حددته الأصول فيقول تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم
يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم
إن الله يحب المقسطين} (الممتحنة: 8) فالقسط هو العدل والبر هو
الإحسان وهو شيء فوق العدل، والعدل أن تعطي الحق والبر أن تتنازل
عن بعض حقك أو حقك.وإذا كان البر والقسط هو سمة رسول الله صلى الله
عليه وسلم في التعامل مع جميع الناس، فإننا نجد أنه أوصى بالأقباط
في عدة أحاديث صحيحة، نظرًا لأنهم الأقرب الى المسلمين في مجال
التعارف والتعاون ومن هذا حديث أم سلمة أن الرسول صلى الله عليه
وسلم أوصي عند وفاته، فقال: »الله الله في قبط مصر فإنكم ستظهرون
عليهم ويكونون لكم عدة وأعوانًا في سبيل الله
«.مفهوم »أهل الذمة«إن الإسلام نظر الى حقوق الناس باعتبارهم بشرا بغض النظر عن
معتقداتهم ومنذ السنة الأولى من الهجرة عاش اليهود الذين كانوا في
المدينة كجزء من نسيج المجتمع لا كطائفة أو أقلية وتحررت في تلك
السنة الصحيفة أو الدستور التى نصت على الأساس الذي تقوم عليه
العلاقة بين المسلمين وغيرهم من مجتمع المدينة بالتأكيد على أن
الجميع المسلمين وغيرهم (أمة واحدة).
وبانطلاق الفتوح الإسلامية، عرضت الدولة الإسلامية علي الناس
الإسلام أو الجزية كأداة للحماية فلما قبلوا أن يدفعوا الجزية تم
تنظيم الحصول عليها بطريقة عادلة.. بأن جعل المسلمون لكل قرية..
رؤساؤها.. وهؤلاء هم الذين يقومون بتقدير الخراج على الأرض، والذي
لم يكن قدرًا ثابتًا.
وأطلق على من يدفعون الجزية أهل الذمة وينظم العلاقة بينهم وبين
الدولة الإسلامية عقد يسمى عقد الذمة يتضمن إقرار غير المسلمين على
دينهم، وهو عقد مؤبد يكفل لغير المسلمين في المقابل الأمان
والحماية والحرمة، وبه يصيرون من أهل دار الإسلام ولم تفرض الزكاة
ولا الجهاد على غير
نظام الملة عبرت الخلافة العثمانية وقت إزدهارها عن نموذج يقترب من الخلفاء
الراشدين عن طريق، تأسيس نظام سياسي داخلي يقوم على العدل والتسامح
من ناحية، ويستند الى قدرة تنظيمية ومؤسسية ديناميكية من ناحية
أخرى.
وكانت الدولة العثمانية في مرحلة القوة، دولة ضد قومية فلم يكن
التمييز بين مواطنيها يتم على أساس العرق أو القوم، وإنما كان يتم
على أساس الدين أو الملة، وكان هذا التمييز وظيفيًا، ولم يكن في
شيء منه عنصريًا إذ كان الذين يختلفون مع الدين الرسمي للدولة هم
رعايا للسلطان أيضًا يربطه بهم عقد يتبادل فيه الطرفان الحقوق
والواجبات.
ونظام الملة هو الذي يقوم على تحديد هذه العلاقة، وهو استمرار
تاريخي وقانوني لمصطلح أهل الذمة، إلا أن الأخير هو تعبير عن
الخبرة العربية، بينما (الملة) هو تعبير عن الخبرة العثمانية ويركز
على الانتماء الديني الذي لا يتعارض مع مفهوم الأمة.
وقد قنن هذا النظام السلطان أبو الفتوح محمد الفاتح
العثماني(1451-1481).
وقام هذا النظام أساسًا لتقوم كل طائفة بتحصيل الجزية عن طريق
رؤساء
المؤسسة، وبالرغم من أن الجزية كانت تسقط
عمنّ يؤدي خدمات خاصة للدولة كالأطباء مثلاً، ولا يؤدي الجزية
القساوسة ورجال الدين غير المسلمين، كما لا يؤديها العاجزون عن حمل
السلاح كالأطفال والنساء والعجزة وكبار السن حتى المشاركين في
الدفاع عن الدولة كان يتم إعفائهم، نجد أن هذه المؤسسات كانت تستغل
تسامح الدولة معها في خفض مبالغ الجزية والتلكؤ في ادائها في أحيان
أخرى.
ونظرًا لأن هذه الخبرة قدمت نموذجًا إسلاميًا وصف بأنه المدافع عن
حقوق البسطاء، وأنه الموسوم بالعدالة والكمال، وأن حلوله في أي بلد
يعني نهاية الشرور، فلقد ظهرت في أوروبا نفسها أدبيات الحب والحنين
للعثمانيين، ودفعت آثار هذا التسامح المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل
الى القول: أصيب المسيحيون المجاورون للبلدان الإسلامية بدوار
الردّة فقد بدأوا ينقلبون من المسيحية الى الإسلام أفواجًا أفواجًا
طوال القرن السادس عشر والسابع عشر.
اجتهاد اسلامي جديد بالمواطنة
وإذا كان لمتغيرات الزمان والمكان تأثير على الأحكام الشرعية فليس
أقل من أن نعترف أن تعبير »أهل الذمة« قد أسقط من البناء القانوني
في العالم العربي منذ صدور أول دستور عثماني في عام 1876 مقررا
مبدأ المساواة في جميع الحقوق والواجبات
بين جميع مواطني الدولة على اختلاف أديانهم. وبالتالي فالمواطنة
تعني استبعاد مفهوم أهل الذمة تمامًا حتى وإن كان يتضمن جميع حقوق
وواجبات (المواطنة) نظرًا لأن استعماله في الأحاديث النبوية كان من
قبيل الوصف وليس التعريف.. فضلاً عن أنه كان بمثابة استخدام للغة
ومفردات وصياغات سارت في جزيرة العرب قبل الإسلام.لكن يبرز عند
تحديد الحقوق والواجبات لكل من الأغلبية والأقلية سؤال هو: ماذا
تريد الأقلية من الأغلبية؟ وماذا تريد الأغلبية من الأقلية؟
والرد الطبيعي في هذه الحالة هو أن الأقلية
تريد ضمان حرية الاعتقاد وتحقيق المساواة
في الحقوق والواجبات ويرى فهمي هويدي أن حرية الاعتقاد للأقلية هو
حق لها على أن هناك حدودًا للحق هي في حالتنا هذه النظام العام
والشعور أو الذوق العام للأغلبية أما المطلب الثاني للأقلية وهو
المساواة في الحقوق والواجبات مع الأغلبية فهنا تتدخل النصوص
الشرعية ولا تدع مجالا للبس في تقرير هذا الأساس والمبدأ.أما بخصوص
الإجابة على تساؤل ماذا تريد الأغلبية؟ فيرى البشري أن تطبيق
الشريعة الإسلامية هدف يطمح إليه كثير من المواطنين وهذا المطلب من
الأغلبية يثير قلق الأقليات الدينية، على
اعتبار أن من حقهم كمواطنين أن يُؤمَّنوا
على مركزهم القانوني وحقوقهم ومستقبلهم، وأن تبسط وجهة النظر
الإسلامية في ذلك، وأن تجري التفرقة الدقيقة بين أحكام الشريعة
الإسلامية من حيث هي أحكام ثابتة بالقرآن والسنة الصحيحة وتمثل
وضعًا إلهيًا ثابتًا على مدى الزمان وبين الآراء الفقهية
الاجتهادية التي يؤخذ منها ويترك ويمكن أن تعدل بمراعاة تغير
الزمان والمكان وبعد الإقرار بهذا الجانب وضمانه لا تقوم حجة في
وجه تطبيق الشريعة الإسلامية إلا أن تقوم على أساس طائفي ضيق. .