نشرة المجتمع المدنى
العدد
140اغسطس2006
بكاء الرؤساء
حسن الصواف
تأثرت كثيرا" بمنظر رئيس الوزراء
اللبنانى وهو يبكى أمام الكاميرا فى إجتماعه بالوفود العربية التى
ذهبت لمؤازرة الشعب اللبنانى فى محنته. فالرجل يشعر بتعاسة كبيرة
بسبب الخراب الذى حل بشعبه وللمعاناة التى يخوضها مئات الآلاف منهم,
أى أنه فى وضع يجعله يهتم بصدق ببلده وأن الحزن الذى يشعر به يحمل
أبعادا" قومية أثرت على مشاعره الشخصية.
لقد كشفت محنة لبنان بعض الحقائق عن طبيعة الحكومات والشعوب
العربية.إذ أنه بمقارنة رد فعل فؤاد السنيورة برد فعل أى حاكم عربى
آخر فى وضع شبيه لا يصعب أن نتخيل فارقا" شاسعا" من حيث الإهتمام
والمصدقية.
فالشعوب العربية فى وضعها الحالى تعيش مقهورة مطحونة ولا تقل
المعاناة فيها عن معاناة الشعب اللبنانى فى أزمته الحالية. فإّذا
نظرنا إلى الشعب السودانى فى دارف ور أو الشعب الليبى أو التونسى
أو السورى أو أى شعب عربى قد يخطر على البال سنجد إهدارا" صارخا"
لآدمية تلك الشعوب وفتور ولامبالاة أسوأ من حكامها الفاسدين. من
الواضح أنه يصعب العثور على شعب عربى واحد يحترم فيه الفرد ويهتم
فيه الحاكم بمصلحة شعبه قبل أن يفكر فى ذاته وفى مناوراته التى
لاتنتهى بغرض شئ واحد لا يعلوه شئ وهو البقاء فى السلطة مدى الحياة.
من الغريب على سبيل المثال- أن يقضى الديكتاتور المصرى أغلب وقته
محاولاً إقناع العالم بأنه فى سبيله لحل المشكلة الفلسطينية وهى
كلها مسرحية يعلم الجميع بحتمية فشلها وتهدف فقط الحصول على رضاء
السيد بوش- والشعب المصرى فى محنة يومية متفاقمة من الفقر
والمعاناة وسؤ المعاملة من حكومته ذاتها.
هل رأى أحدكم السيد مبارك يبكى على ضحايا العبارة التى غرقت فى
البحر الأحمر وعددهم لايقل كثيرا" عن ضحايا لبنان- أو حتى هل بدى
عليه ملامح التأثر؟
إن الطريقة التى نحكم بها قد جعلتنا كالغنم أوالبقر, لانملك القدرة
على الإحتجاج أو حتى التفكير فى مصيبتنا. إن عنصر الخوف الذى تم
غرزه فى الشعب المصرى منذ الإنقلاب العسكرى عام 1952 -والذى تعودنا
أن نسميه ثورة- لايزال يسيطر على عقولنا ولايزال يمثل عقبة أساسية
للتقدم والإزدهار.
لقد تعدى عدد سكان مصر فى أغلب الظن- الثمانون مليون. إننى أتسائل
هل يعيش أغلبهم فى ظروف أفضل من مشردى لبنان الحاليون؟ إن الشعب
اللبنانى والشعب الفلسطينى فى حاجة ماسة لكل ما يمكن تقديمه من
مساعدات لا شك فى ذلك. ولكن ألا يحتاج الشعب المصرى للمساعدة أيضا"؟
من مصائب الحكم الشمولى الذى تعود عليه الشعب المصرى الذى فقد
المقدرة على رصد أولويات الحاكم. إن المنطق يقتضى فى أى دولة
محترمة أن تضع الحكومة مصلحة شعبها وجميع إحتياجاته فوق كل شئ.
المشكلة وقد بات هذا واضحا"- أن الحكم الإستبدادى لايهتم بالمنطق.
إذ أنه لايخضع لطائلة القانون أو أى نوع من المسائلة وسيظل كذلك
طالما إستمر ذلك الوضع السياسى المندثر.
إننا نمتلك فى مصر جميع مقومات الشعوب المتقدمة خاصة فى ثروتنا
البشرية الهائلة و الذى ينقصنا شئ واحد يدعى الحرية. لايمكن لأى
شعب أن يجد مكانه ضمن المجتمع الدولى أوأن يقترب من تحقيق
إمكانياته إن غابت الحرية فهى ما يمنع الإستغلال والتعذيب والفساد
وكل الأخطاء والعيوب التى يتعرض لها أى مجتمع من خلال توفير وسائل
الكشف عن الأخطاء ومعالجتها.
يسود اليأس والخوف عدد كبير من سكان هذا البلد عند التحدث عما
سيحدث عند وفاة الحاكم, كما لو كان مستقبلنا بل وكياننا يعتمدان
على شخص. ألا تشعر بالخجل بل بالعار عندما تسمع مثل هذه الأساطير؟
إننى أصبحت لا أتردد فى الإفشاء عن قلقى البالغ فى حالة إكتشاف
حقول بترولية كبيرة أو أى مصدر للدخل يقع تحت سيطرة الحكومة
المصربة. إن العائق الأوحد الذى يمنع النظام الحالى من العودة بنا
إلى رعب وإستبداد عبد الناصر هو للأسف الشديد- الفقر الذى يجبر
النظام على الإلتزام بمعيار بسيط من الأدب فى معاملته للشعب. إذ أن
إعتماد النظام على المعونة الخارجية وإحتياجه للتعامل مع المجتمع
الدولى كى لايجوع الشعب هو الوقاية الوحيدة التى تحمينا نسبيا"
وتوفر لنا قسطا" ضئيلا" من الحرية. ذلك لأن المجتمع المتحضر أصبح
رافضا" أن يتعامل مع حكام مستبدين كموجابى فى زمبابوى على سبيل
المثال. واخيراً إن أول شئ سيحدث لو وجدت حكومتنا نفسها فى غنى
مادى عن العالم الخارجى كما يحدث فى إيران- هو رفع مستوى الإستبداد
والجبروت الحكومى.
لقد آن الأوان أن يبدأ حكامنا فى البكاء.