نشرة المجتمع المدنى
العدد
140اغسطس2006
اسرائيل
وادمان الانتصار السريع
د/ سعد الدين ابراهيم
دخلت الحرب بين إسرائيل وحزب الله
(12/ 7 - 14/ 2006/8) سجل الصراع العربي الإسرائيلي كالحرب السادسة
أو السابعة، حسبما يعتبر المراقبون، ما إذا كانت معارك الاستنزاف،
بين يوليه 1967، وأكتوبر 1973، تعتبر حربا قائمة بذاتها مثلما يذهب
المصريون، أو مجرد مناوشات مثلما يذهب الإسرائيليون. ولكن لا خلاف
بين المراقبين على ست حروب، خلال هذا الصراع الممتد: هي حرب فلسطين
الأولى عام 1948، وحرب السويس 1956 (العدوان الثلاثي)، وحرب يونيه
1967 (الأيام الستة)، وحرب أكتوبر (رمضان) 1973 (يوم الغفران)،
وحرب اجتياح لبنان 1982 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية،
وأخيراً تلك التي انفجرت في صيف 2006. والشاهد أن إسرائيل بمفردها
أو بمساعدة أطراف أخرى انتصرت في الثلاث حروب الأولى من هذه الحروب
الست. بينما تعثرت أو تساوت أو انهزمت في الثلاث الأخيرة. وبصرف
النظر عما يعتبره العرب نصراً أو هزيمة في هذه الحروب، فإن هناك
مؤشراً دالاً على تقييم إسرائيل نفسها لهذه الحروب. فحيثما تتشكل
لجنة أو لجان تحقيق حول أي جولة من جولات هذا الصراع، فإن ذلك يكون
مبعثه غضب الرأي العام الإسرائيلي من سوء أداء مؤسسته العسكرية ـ
السياسية في تلك الجولة. وكما يذهب مثل شائع "إن النصر له ألف أب
وأم، أما الهزيمة فهي لقيطة يتيمة"، يبحث لها المحققون عن
"والدين".
وآية ذلك أن الرأي العام الإسرائيلي لم يثر أو يطالب بلجان تحقيق
في حروب إسرائيل الثلاث الأولى، بينما ثار وضغط وطالب بمثل هذه
اللجان في الحروب الثلاث الأخيرة. فهل هزمت إسرائيل فيها فعلاً؟
حقيقة الأمر أنه بالمعايير الموضوعية الكمية، أوقعت إسرائيل
بالأطراف العربية المحاربة قدراً أكبر من الدمار والخسائر البشرية،
ربما بنسبة واحد إلى عشرة ودارت هذه الحروب الثلاث الأخيرة في
معظمها على أرض عربية، وليست على ما تعتبره إسرائيل ترابها الوطني.
ولكن الرأي العام الإسرائيلي تعوّد، ثم أدمن الانتصارات السريعة،
بل والخاطفة منذ حروبها الثلاث الأولى. وعمّق من هذا الإدمان
الأساطير التي روجها جيش الدفاع الإسرائيلي عن نفسه، وكذلك جهاز
مخابراته المعروف باسم الموساد. وفي ضوء العجز الفاضح للأطراف
العربية في تلك المواجهات المبكرة (1948-1967)، التقطت وسائل
الإعلام الغربية نفس الأساطير، ورددتها، بل وانضمت إليها هوليوود،
وأضافت أبعاداً رومانسية إلى قدرات ومعجزات المؤسسة العسكرية
الإسرائيلية. ومن كثرة ترديدها صدقها العالم، بما في ذلك
الإسرائيليون والعرب على السواء. ومثل كل الأساطير، هناك دائماً
بعض الحقيقة وكثير من المبالغات.
طبعاً، انتصرت إسرائيل على سبعة جيوش عربية كانت حكوماتها قد أعلنت
الحرب في 15 مايو 1948. ولكن الذي لم تذكره وسائل الإعلام وقتها،
ولا المؤرخون بعدها، هو أن أربعة من هذه الجيوش لم يشارك في أي
معركة طوال شهور الحرب التي انتهت رسمياً في مارس 1949 بتوقيع
اتفاقيات الهدنة. بل إن اثنان من هذه الجيوش ضل الطريق إلى فلسطين،
إما لغياب الخرائط، أو لعدم توفر وسائل النقل لأرض المعركة. ولكن
على الورق، كان هناك إعلان حرب من سبع دول، على دولة إسرائيل
الوليدة. أما الحرب الثانية (1956) فإن خيوطاً كثيرة تد اخلت فيها.
فلم يُعرف على وجه اليقين الدور القتالي الحقيقي لإسرائيل، مستقلة
عن كل من بريطانيا وفرنسا، التي شاركتاها في حرب السويس. ومع ذلك
فقد اعتبرها كثير من المراقبين انتصاراً عسكرياً لإسرائيل، حتى لو
كانت نتائجها السياسية الإجمالية لصالح مصر. ولكن حرب 1967، هي
التي توجت أسطورة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. فقد كانت
انتصاراً باهراً لها وهزيمة ساحقة لثلاثة جيوش عربية، وتم احتلال
مساحات كبيرة من أراضيها. أي أن تلك الحرب حسمت الشك في قدرات
إسرائيل العسكرية. ولكن كما يذهب المثل الشائع، "بقاء الحال من
المحال". تعلّم بعض العرب، وأصبحوا أكثر قدرة على التعلم والتخطيط
والتدريب والقتال. وتعلموا من هزائمهم السابقة أن يكونوا أقل
كلاماً وأكثر فعلاً. بل وتعلموا أن يحتفظوا بأسرارهم، ويستعينوا
على قضاء حوائج هم بالكتمان. حينما أخذوا الأمور بالجدية اللازمة
بعد هزيمة 1967، فوجئوا، وفاجأوا إسرائيل والعالم بأداء عسكري مبهر
في أكتوبر 1973. وسواء انتصر العرب في تلك الحرب، كما يعتقدون، أو
تساووا مع إسرائيل، كما يعتقد معظم المراقبون المحايدون، أو
انهزموا، كما يعتقد معظم الإسرائيليون، فإن تلك الحرب كانت فاصلة،
في أنها وضعت حداً للتفوق الإسرائيلي العسكري المطلق، والذي ساد
بين 15 مايو
1948 و5 أكتوبر 1973، ربما ظلت إسرائيل هي الأقوى ولكن الفارق
بينها وبين خصومها العرب المحيطين بها تناقص إلى أبعد الحدود.
أما الجديد تماماً في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي فهو التحول
الكيفي من مواجهات جيوش دول عربية نظامية مع المؤسسة العسكرية
الإسرائيلية إلى مواجهات شعبية متزايدة منذ عام 1968. أي أن الصراع
تحول من حروب تقليدية بين دول إلى مقاومة شعبية أو "حروب تحرير
وطنية". والمفارقة هنا هو أن مثل هذا النوع من المواجهة هو تماماً
ما لجأت إليه التنظيمات الصهيونية المسلحة في الحرب الأولى عام
1948 في مواجهة جيوش مصر وسوريا والأردن والعراق، وهو ما يُعرف
بحرب العصابات. وبعد عشرين سنة، أو تحديداً عام 1968 بدأت المقاومة
الفلسطينية، ممثلة في تنظيم فتح، استخدام نفس أسلوب حرب العصابات
أو الحرب الشعبية، والتي كانت أحد تجلياتها المبكرة، معركة "الكرامة"،
عبر نهر الأردن في مارس من ذلك العام، والتي أدمت فيها طابوراً
إسرائيلياً مغيراً، وردته على أعقابه، على غير العادة. وكان لذلك أ
ثراً معنوياً بالغ الأهمية، بعد هزيمة الجيوش في يونيه من العام
السابق. وقد سارت على نفس النهج فيما بعد تنظيمات شعبية أخرى
فلسطينية ولبنانية في مواجهات مسلحة مع القوات الإسرائيلية المسلحة.
وأتقن ذلك بشكل خاص مقاتلوا حزب الله في جنوب لبنان، بين عامي 1982
و2000، وهو ما أجبر إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان، بلا قيد
ولا شرط بعد احتلال دام ثمانية عشر عاماً. ولنا أن نقارن ذلك
باحتلال نفس إسرائيل لمرتفعات الجولان السورية، المستمر منذ عام
1967، دون أن تنجح الدولة السورية في تحريرها بجيشها النظامي طيلة
ما يقرب من أربعين عاماً إلى تاريخه. باختصار، اكتشف بعض العرب،
وليس كل العرب، طرقاً ووسائل ناجحة لسد الفجوة القتالية بينهم وبين
المؤسسة العسكرية المتميزة. نعم، ما تزال إسرائيل متفوقة قتالياً
بكل المقاييس على أي دولة عربية معاصرة. ولكن فجوة هذا التفوق قد
ضاقت باضطراد منذ عام 1968، ثم تم تحييده أو إبطاله بفضل أساليب
الحرب الشعبية التي أتقنتها أطراف عربية لبنانية وفلسطينية، بما في
ذلك العمليات الانتحارية.
وليس في هذا أو في ذاك أسرار مطلقة أو تفوق مطلق لطرف محارب على
طرف آخر. فالمهم هو قراءة كل طرف لقوته الذاتية ولقوة الخصم الذي
يواجهه، واختيار الأسلوب الأمثل في المواجهة، بحيث يتم تفعيل
وتعظيم القوة الذاتية، وتقليص أو تحييد الميزات النسبية لقوة الخصم
أو العدو. وهذا ما فعلته إسرائيل في الحروب الثلاثة الأولى مع
الأطراف العربية (1948-1968). ثم تعلمت أطراف عربية، وليس كل
الأطراف، كيف تتعامل مع الميزات النسبية للمؤسسة العسكرية
الإسرائيلية. وهذا ما رأيناه ورآه العالم خلال الحرب الأخيرة بين
هذه الأخيرة
ومقاتلي حزب الله، والتي دامت ثلاثة
وثلاثين يوماً. وكانت محصلتها النهائية هي "التعادل"، رغم التفوق
الإسرائيلي في قوة النيران والتدمير، ورغم أن الخسائر البشرية ما
تزال في صالح إسرائيل بنسبة واحد إلى عشرة. لقد كان الهدف الذي
وضعته إسرائيل لنفسها في تلك الحرب هو تدمير حزب الله، وتأليب
الشعب اللبناني عليه وكان هدف حزب الله في نفس الحرب هو الصمود
والمقاومة وتحاشي انقسام الشعب اللبناني أثناء القتال. وفي ضوء ما
رسمه كل طرف من أهداف خرج حزب الله هو الأقرب إلى تحقيق أهدافه،
رغم الخسائر البشرية والمادية للبنان، وخرجت إسرائيل هي الأبعد عن
تحقيق ما هدفت إليه. وهذا تحديداً سر الاستياء الداخلي في إٍسرائيل
على حكومة أيهود اولمرت. وعلى جيش الدفاع الإسرائيلي الذي روج
لأسطورة أنه لا يقهر، وأنه صانع المعجزات. لقد عودت الحكومة
الإسرائيلية شعبها على توقع الانتصارات السريعة أو الخاطفة، لدرجة
"الإدمان". ومثلما يعرف خبراء الإدمان، حينما يتوقع "المدمن" جرعة
تشبع إدمانه، ثم لا تأتي الجرعة، بالدرجة أو الحجم الذي يشبع هذا
الإدمان، فإنه يغضب أو يثور أو يكتأب. ولعلاج هذه الثورة أو
الاكتئاب تتشكل لجنة تحقيق، ستخرج بعد شهر أو عدة شهور بتقرير،
يوزع اللوم، وربما يحدد أسماء بعينها تصبح "كباش" فداء، يتم التضحي
ة بها. ولكن المطلوب إسرائيلياً هو إدراك ضرورة الإقلاع، أو الشفاء
من إدمان عادة الانتصار السريع، كما أقلعت أو عولجت بعض (وليس كل)
الأطراف العربية عن إ دمان الهزيمة السريعة. ربما حينئذ، وحينئذ
فقط تتحقق معادلة نفسية واستراتي جية تكون أساساً لتسوية تاريخية
منصفة لصراع المائة عام في الشرق الأوسط. والله أعلم