نشرة المجتمع المدنى

العدد 140اغسطس2006

هوامش على ارهاصات العالمانية فى مصر
طلعت رضوان

عاشت مصر حتي أوائل القرن التاسع عشر تحت سيطرة أبشع أشكال الأستعمار الأستيطاني الذي فرض التخلف وأجهض إمكانية قيام أيه نهضة ثقافية أو تنموية , وبعد ذلك فإنه بعد أقل من مائة عام , نفضت مصر غبار العصور الوسطي فإذا كان التعليم طوال عدة قرون قاصرا علي الكتاتيب , فإنه معاصرا المخاض هو أ. محمد لطفي جمعة يعترف في مذكراته أنه يتقن اللغه الأنجليزية منذ أن كان في السنه الرابعه الأبتدائية , وأن التدريس بالأنجليزية كان يشمل الرياضيات والكيميا والطبيعة والجغرافيا والتاريخ وكتب " أشهد أن مجموعة الأساتذه في مدرسة إبتدائية ريفية في أواخر القرن التاسع عشر كانت أرقي من مجموعة أساتذة مدرسة عليا أو جامعة في أواسط القرن العشرين " ( هيئة الكتاب المصرية سلسلة تاريخ المصريين رقم 183 ) .

وكتب لويس عوض أنه عندما كان في مدرسة المنيا الثانوية " لم تكن هناك دروس دين , وإنما حل محلها مادة ( الأخلاق ) ومادة أخري أسمها ( التربية الوطنية ) كنا نتعلم فيها مبادئ المساواة في الحقوق والواجبات في المجتمع ؛؛ وعن الكتب المقررة علي الطلبة في الفترة 26- 1930 أذكر أنه " درس في السنتين الأولي والثانية الثانوية كتاب شفيق غربال ( تاريخ مصر القديمة ) وفي أحدي السنوات وزعت الوزارة علي الطلبة كتاب ( أميل ) ل جان جاك روسو وكتاب ( مادة الفكر ) ل طه حسين " ( أوراق العمر سنوات التكوين مكتبة مدبولي عام 1989 من ص 256 264) .

وكتبت د. سهير القلماوي أنه " عندما تولي طه حسين وزارة المعارف سنه 1950 كان أهم أعمالها توحيد المرحلة الأولي في التعليم فلم يعد هناك تعليم ديني متخلف وأخر مدني وإنما أصبح التعليم واحدا , يضمن الوحدة الفكرية بين مواطن الوطن الواحد " (مجلة الكتاب مدرسة 1975 ) وطه حسين الذي هز كثير من الثوابت في كتابه ( في الشعر الجاهلي ) عام 1926, ونتيجه للمناخ الليبرالي , فإنه رئيس نيابه مصر محمد بك نور يمتلك شجاعة التأثير ب " تحفظ الأوراق إداريا " رغم أنه أتفق مع خصوم طه حسين , ولم يكتف بالكتابة علي حرية الرأي والتعبير وإنما كتب مؤيدا رأي طه حسين بشأن ماأورده عن الأنبياء العبرانيين ( مجلة الحديث إبريل 1938 ) وطه حسين عندما كان عميدا لكلية الأداب كان يحرص علي تخريج أجيال تتمسك وتدافع عن ملكة ( النقد ) وهو المعني الذي عبر عنه د . عبد الحميد العبادي عندما كتب عن نظام التعليم الذي يتمناه " عاوز أبث في الطلبة روح طه . روح البحث والجدل و ( الخناق العلمي ) كما يقول أستاذنا لطفي السيد " ( إبراهيم عبد الحميد رسائل طه حسين هيئه الكتاب المصرية عام 2000ص12 ,109) .

أي أن طه حسين أمتداد ل لطفي السيد الذي كتب " إن الهدف من التعليم الجامعي أساسه حرية التفكير والنقد علي وجه الأستقلال لا الحفظ والتصديق لكل ما يقال " ( المنتجات ج 2 ص 38) ودعا إسماعيل أدهم الي أن " تحيا مصر حياة فكرية صحيحة وتنشئ لنفسها علاقه تقيم عليها أساس دولتها , إن كان يربطها بالأزهر ذلك الماضي الذي خرجت منه مقيدة , فليس معني ذلك أن تنقطع عن وجه الفكر الإنساني وروح العصر وتبقي مربوطه بالماضي , فلا تعمل علي تلقيح الفكر المصري بالأفكار الجديدة في العلوم والفلسفة والتاريخ والأدب , بجانب هذا الأبد من برنامج للتعليم يقوم علي أساس علماني لجميع طبقات الشعب " ( نقلا عن صابر نايل العلمانيه في مصر ص 51 ) وأسماعيل أدهم , رغم أصول التركية كان ممتلئا بروح مصرية جعلته ينحاز للغه والعلم , فكتب يناشد المصريين اللغه العربية , لأنه لهم لغة قومية , نظموها ووضعوا لها القواعد . وقال " إنه منذ حط رحاله في مصر لدراسته حياته الأجتماعية والأدبية وقف علي ثروة جديدة هي اللغة المصرية" وإنه من الخطأ القول أن اللغة المصرية هي عامية العربية. ثم أضاف "" فهذه هي لغتكم وهي أولى بعنايتكم من إحياء لغة بدو لا يربطكم بهم صلة ولا رابط" (نقلاً عن د. فريال حسن خليفة (النقد ومستقبل الثقافة العربية) دار العالم الثالث عام 2002 ص 151)

ولكن هل كان الطريق سلساً أمام المفكرين المصرين لخلق مناخ ليبرالي على أساس مبادئ العالمانية؟ إن قراءة التاريخ الثقافي لتلك الفترة توضح أن تياراً أصولياً تم زرعه في مصر. وأن هذا التيار الأصولي كان (يجاهد) كي تظل سلاسل العصور الوسطى في أقدام المصرين. ومن هنا تولد ذلك الصراع الدراماتيكي بين التيارين: الأصولي والليبرالي / العالماني. وبدأت الهجمة الأصولية الأولى على يد جمال الدين الشهير بالأفغاني. ثم أصولي آخر عبد العزيز جادين من تونس، وثالث غير مصري أيضاً هو محمد رشيد رضا (من طرابلس - الشام) إلى أن نصل إلى محطة الأخوان المسلمين. ورغم ذلك فإن تيار الأصولية الإسلامية قبل أبيب/يوليو 1952 كان يقابل بل ويجابه بقوة وبحزم وبرسوخ مبدئي وشجاعة أدبية وأسلوب علمي رفيع المستوى. ومن أمثلة ذلك:

في عام 1900 ينشر قاسم أمين كتابه (المرأة الجديدة) الذي أكد فيهعلى أن أوروبا حققت في مائتي عام ما لم تحققه غيرها في آلاف السنين. "وأن العلم شيد بناءً فنياً لا يمكن لعاقل أن يفكر في هدمه ولهذا تفلّت رجال العلم على رجال الدين في أوروبا بعد النزاع والجهاد ، وانتهى الحال بأن صار للعلم سلطة يعترف له بها الناس كافة" وعن فترة الحكم الإسلامي كتب "لإننا مهما وقفنا البحث في التاريخ لا نجد عند تلك العصور ما يستحق أن يسمى نظاماً، فإن شكل حكومتهم كان عبارة عن خليفة أو سلطان غير مقيد بحكم بواسطة موظفين غير مقيدين، فكان الحاكم وعماله يجرون في إداراتهم على حسب إرادتهم. والخليفة وحده هو صاحب الأمر، فهو الذي يعلن الحرب ويعقد الصلح ويقرر الضرائب ويضع الأحكام ويدير مصالح الأمة مستنداً برأيه" ودعا إلى أن "نربي أولادنا على أن يعرفوا شئون المدينة الغربية، وأنه من المستحيل أن يتم إصلاح ما في أحوالنا إذا لم يكن مؤسساً على العلوم العصرية الحديثة. ولهذا لا نتردد في أن نصرّح بأن القول بأننا أرقى من الغربيين في الآداب هو من قبيل ما تنشده الأمهات من الغناء لتنويم الأطفال" (د. محمد عمارة (قاسم أمين الأعمال الكاملة دار الشروق ط2 عام 1989 من ص 495 - 503)).

وعلّق فرح أنطون على قاسم أمين قائلاً "مما تقدم يتضح أن مدينات الأمم لا تتوقف على الدين بل على العلم، وأن الأمم (الوثنية) كاليابان إذا سلكت سبيل العلم والنواميس الطبيعية، وارتقت مدينتها على كل مدينة، حتى مدينة الذين يعلمون بقواعد الإنجيل والقرآن حرفاً ومعنى، دون أن يشتغلوا بالعلم، لأن الدين شيء والدنيا شيء آخر. وكيف يقال إن الإنسانية ستعود كلها إلى القرآن في المستقبل كما يقول الأستاذ/ محمد عبده وأنها ستعود كلها إلى الإنجيل كما يقول رؤساء الدين المسيحي. كلا ثم كلا. إن الإنسانية طُبعت على التنوع والاختلاف. ولابد من هذا التباين في المعتقدات" (أنظر كتاب (ابن رشد وفلسفة مع نصوص المناظرة بين محمد عبده وفرح أنطون) دار الطباعة للنشر بيروت عام 1981 من ص 186 191).
أما لطفي السيد فكان يحذر من تدخل الدولة في حقوق الأفراد، فأي تدخل منها جائز وخصوصاً العبث بحرية القضاء أو بحرية الكتابة والقول والنشر وتأليف الأحزاب (المنتخبات ج1 101ب ج2 ص58) وكتب "الإسلام ليس لمسلم بوطن" فوحدة الاعتقاد الدين ليست كافية لإقامة وحدة التضامن الوطني" (الجريدة 1907/3/10).
ورغم أن دستور 1923 تضمن العديد من المواد التي تدعم فكرة  الدولة الحديثة , فإن طه حسين هاجم اللجنة التي صاغت مواده بسبب المادة رقم 149 التي نصت علي " الإسلام دين الدولة , ولم تروعه سهام الأصوليين بعد معركة ( الشعر الجاهلي ) فكتبت مقالا في مجلة الحديث ( أمشير / فبراير 1927 ) قال فيه " لست أرض عن هذا الدستور الرضا كله . ففيه نقص وفيه تشويش وفيه نصوص لا بد من تغيرها " وذكر أن النص في الدستور علي أن الإسلام دين الدولة " مصدر فرقة , لا نقول بين المسلمين وغير المسلمين ( فقط ) من أهل مصر وإنما نقول أنه كان مصدر فرقة بين المسلمين أنفسهم , فهم لم يفهموا علي وجه واحد . وأن النص علي دين الدولة يتناقص مع حرية الأعتقاد " ( أنظر أيضا كتاب ( من بعيد ) الشركة العربية للطباعة عام 1958 ص 232 وما بعدها أما د . محمود عزمي فقد أنتقد المادة 149 قبل وبعد صدور الدستور .

ويكتب إسماعيل أدهم " إن في الشرق إستسلاما محضا للغيب . وفي الغرب نضالا محضا مع قوي الغيب " ( إسماعيل أدهم ناقدا ) تأليف د . أحمد إبراهيم الهواري دار المعارف المصرية عام 1990 ص 58 , 240 ) .

ويكتب أحمد زكي أبو شادي " إن تعليم الدين في المدارس غير موحدة العقيدة فيه أخطر عوامل التنافر " وأن " شئون العبادات لمن يؤمن بها فلا شأن لها بالمدارس ولا بأي مظهر من مظاهر الحكم ولا يجوز أن تتسرب إلي المعاملات ولا ينبغي أن تفرق بين أبناء الوطن الواحد " ويكتب محمود عزمي " نحن ممن يدينون بضرورة جعل التعليم العام قائما علي فكرة المدنية ذات الصبغة الدينية وأن التعليم الذي يصرف علية من خزينة الدولة يجب أن يكون غير خاضع لغير إعتبار القومية وليس له نزعة دينية خاصة " ويكتب عبد القادر حمزة " كيف أصبحنا ألات جامدة لا تكاد تتحرك إلا بالدين وللدين , وكأنما لم يخلق الله لنا عقولا , وكأنما نحن مسخرون بلا إرادة ولا تمييز . وكم من حركات دينية وقفت في وجة مكتشفات علمية صحيحة " ويدعوا عبد الحميد الحديدي الي أنه " ليس من مصلحة الدين حشرة في كل شئ وتعرضه لأن يتصادم من وقت لأخر مع الأنظمة والأحوال العادية في أحوال الأمة " ( نقلا عن صابر نايل مصدر سابق من ص 50 131 ) .

وعندما نادى الأصوليين بضرورة عودة الخلافة ( مرة أخري) تملقا للملك فاروق تصدي لهم محمد سيد كيلاني في كتابه ( الشريف الرضي ) ويرفض رئيس الوزراء ( مصطفي النحاس ) تتويج الملك في حفل ديني تدعيما لفكرة مدنية الدولة . وفي عام 1946 يصدر كتاب ( الأخوان المسلمون فيبعنوان ( كيف نحارب الطائفية ) بقلم عبد الحميد شرارة نشرة في مجلة الأدب قال فيه " إن التوفيق بين الدين والفلسفة محاولة عقيمة , وقد قام بها ابن سينا منذ قرون فانتهي به الأمر الي أعتباره زنديقا من قبل رجال الدين , قصير النظر من قبل الفلاسفة . كما أن التوفيق بين دين ودين أنتهي علي يد الكثيرين في أوربا وفي الشرق الي مآس ردد التاريخ صداها " ( مجلة الكاتب المصري فبراير 1946 ).

وتشارك المرأة في زلزلة ثوابت الموروث , فيجد الباحث أسماء مثل منيرة ثابت , سعاد الرملي , درية شفيق , هدي الشعراوي ولجنة السيدات بحزب الوفد , أجمعن علي أن يكون الطلاق أمام المحاكم وبدون ذلك لا يقع الطلاق , أي لا يكون للرجل حق الطلاق بإرادة منفردة , ومساواة الرجل والمرأة في الميراث , وإلغاء تعدد الزوجات وتشبه سعاد الرملي رجال الدين بالفاشيين الذين يريدون عودة المرأة الي البيت وينظرون الي المرأة نظرتهم الي تحفة أو متاع لأمزجتهم ".
في هذا المناخ الذي كان يتخلق في أحشائها جنيه دولة عظمي في منطقة الشرق الأوسط , يصادف الباحث ( لطيفة النادي ) أول فتاة مصرية تقود طائرة عام 1923 , و ( نعيمة الأيوبي) التي أردت روب المحاماة ويصادف ( الباحث ) الأحتفال بخريجات الطب في نفس العام ( 1932 ) ( مذكرات هدي الشعراوي ) .

ولعل فبراير 1950 كان بدية النهاية لأفول الفكر الليبرالي في مصر.في هذا التاريخ صدر كتاب خالد محمد خالد ( من هنا نبدأ ) وكان أتهام لجنة الفنون بالأزهر أن " المؤلف تعدي علي الدين الإسلامي وصور الحكومة الإسلامي وصور الحكومة الدينية بخصائص وغرائز من شأنها أن تبعث في نفوس محاربة هذا النوع من الحكم . وأن القرآن والسنة فيهما من الغموض الذي يجعلهما غير صالحين لأن يكونا أساسا صالحا للحكم " ومع ذلك يمتلك رئيس محكمة القاهرة الابتدائية ( حافظ سابق ) شجاعة الحكم عن بالإخراج عن الكتاب المصادر , فإذا به يوقظ في الذاكرة القومية ابن مصر محمد بك نور , خاصة وأن صياغة الميراث في الحالتين تتطابق في المعني وفي الألفاظ وكأنما كان التيار الليبرالي المصري يسلم الراية من جيل الي جيل ( المستشار محمد فتحي نجيب ( التنظيم القضائي  المصري ) هيئة الكتاب 2001 من ص 301 وما .وفي فبراير 1946 فإن الحركة الوطنية المصرية تنتخب لطيفة الزيات سكرتير عام لجنة الطلبة والعمال , ومن هنا فإن شهادتها التي كتبتها عن الفترة السابقة علي انقلاب أبيب / يوليو 1952 تكتسب مصر قيمة خاصة , حيث كتبت عن مشهد وداعا عميد الثقافة المصرية ( طه حسين ) : " وأنا أشيع جنازة طه حسين , شعرت أني أشيع عصرا لا رجلا , عصر العلمانية الذين جرؤوا علي مساولة كل شئ " ( حملة تفتيش في أوراق شخصية .

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية